دعنا نبدأ المقال بسؤالٍ بسيط للغاية: هل يستطيع أي مبلغ من المال (100 دج مثلاً) اليوم، شراء ما كان يمكنه شراءه قبل سنتين؟ بالطبع لا! فقد ارتفعت تكلفة المعيشة وارتفع معها سعر كل شيء تقريبًا.
هذا الارتفاع العام والمستمر في مستوى الأسعار يطلق عليه الاقتصاديون بالتضخم .
فما هو التضخم؟ ما هي أسبابه؟ وكيف يقيسه الاقتصاديون؟
يُعرَّف التضخم بأنه ارتفاعٌ عام ومستمر في مستوى الأسعار ، إذن، ما أفضل طريقة لقياس ارتفاع المستوى العام للأسعار؟
هذه الأيام، وفي الجزائر تحديدا، تقيس البنوك المركزية التضخم باستخدام مؤشر أسعار المستهلك. وهي طريقة بسيطة جدًا ، تختار مجموعة من السلع والخدمات الأساسية و الضرورية للسكان و تقارن مؤشر اسعارها مع مؤشر الأسعار للسنة التي قبلها فلو كانت قيمة المؤشر سنة 2016 هي 200 لتنتقل في سنة 2017 إلى 210 فإن نسبة التضخم 5% و هكذا .
أسباب التضخم
1- كلما زاد الطلب على سلعة زاد سعرها فمثلا :
- قبيل شهر رمضان يزداد الإقبال على شراء التمر و الليمون لكونه جزءًا أساسيًا من وجبة الإفطار، فيرتفع سعره.
- فصل الصيف يزداد الإقبال على شراء البطيخ فيرتفع سعره.
- فصل الشراء يزداد الإقبال على شراء الملابس الشتوية فيرتفع سعرها.
- عيد الاضحى يرتفع سعر الاضاحي .
نسمي هذا المبدأ بـ «قانون الطلب».
2- كلما ينخفض عرض السلعة فيزيد سعرها. فمثلا :
- في مواسم الجفاف ترتفع أسعار الخضر والفواكه.
- لما اوقفت الجزائر استوراد السيارات من الخارج زاد سعر السيارات المستعملة .
نسمي هذا المبدأ بـ «قانون العرض».
3- العرض والطلب على النقود..!
نعم، فالنقود كأي سلعة أخرى لها عرض وعليها طلب! لكن كي نفهم الأمر بشكل أفضل؛ علينا أن نفهم دور النقود في الاقتصاد.
ان الأمر الذي يجمع بين أنواع النقود منذ القدم هو أن وظيفتها الأساسية هي مساعدتنا على إتمام تبادلاتنا التجارية. لذا فكمية النقود الموجودة في الاقتصاد مهمة جدًا ، فلا يجب أن تكون أقل من اللازم لحاجتنا الشديدة إليها، ولا يجب أن تكون أكثر من اللازم لأن هذا يُشكِّل خطرًا كبيرًا على الاقتصاد، لماذا؟
نضرب مثلا بالجزائر :
- نعلم جميعا بان الدولة الجزائرية التي لا تنتج شيء تقريبا و تعتمد على الخارج لسد احتياجاتها .
- و نعلم بانها تعتمد بشكل كلي على البترول لشراء المستلزمات و دفع اجور العمال .
- و نعلم أن عملتها تقريبا 1$ = 100دج ( لتسهيل الحساب فقط رغم ان قيمتها اكبر )
و بسبب ازمت انخفاض اسعار البترول ، قررت الجزائر طبع النقود لتسديد اجور العمال و امتصاص غضب الشارع ، فقامت بطبع مليار دينار جزائري جديدة (قيمة افتراضية) ووزعتها على العمال ، و أصبحت قيمة 1$ = 200دج هل هذا قرار صائب؟
لقد أصبح في جيوب الناس نقودًا كثيرة و لكن قيمة السلعة في السوق لا تزال ثابتة ( بالعملة الصعبة " $" )
و هنا نسأل انفسنا هل تغير شيء في السوق؟ بالطبع لا! فالدولة اختارت الطريق الأسهل: ماكينة طبع النقود!
النتيجة لهذا القرار ستكون ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار! هنا أفسدت الدولة من حيث أرادت الإصلاح، فطبع النقود دون ارتفاعٍ موازٍ في الإنتاج سيؤدي لأكبر سبب في مسح الابتسامة من على وجوه الجميع: التضخم.
لكن أخيرًا، يبقى التضخم هو مجرد عَرَض لأمراض اقتصادية شتى. فالأسعار بالنسبة للاقتصاد كدرجة الحرارة لجسم الإنسان؛ أي يجب أن تكون في مستواها الطبيعي، فانخفاض درجة الحرارة وارتفاعها بشكل كبير يمثلان ناقوس خطر وإشارة إلى أن هناك شيئًا غير طبيعي في جسم الإنسان. فكيف يعالج الطبيب هذا العَرَض؟ يبحث عن سبب ارتفاع الحرارة ليعالج المشكلة من الجذور، ولا يكتفي بوصف خافضات الحرارة للمريض.
الأمر مماثل بالنسبة للأسعار. فارتفاعها يعني أن هناك اختلالًا في الحالة الاقتصادية للدولة والعلاج الحقيقي لارتفاع الأسعار يجب أن يهدف إلى إنهاء أسبابها لا أن يلجأ إلى المسكنات والمهدئات كطبع النقود و التي قد تفاقم الأمر أكثر كما حدث في الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق